الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
89
تفسير روح البيان
وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا الأرحام لعنهم اللّه عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم ) وقال صلى اللّه عليه وسلم ( ثلاثة في ظل عرش اللّه يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت أقوم على ايتامى حتى يغنيهم اللّه أو يميت ) يعنى اليتيم ( أو هي ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنعته وأحسن نفقته فدعا عليه اليتيم والمسكين ورجل وصل الرحم يوسع له في رزقه ويمد له في اجله ويكون تحت ظل عرش ربه ) وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمنع عن الايمان والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي عليها يدور فلك نظام العالم وصلاحه أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ اى المغبونون بالعقوبة في الآخرة مكان المثوبة في الجنة لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها * قيل ليس من مؤمن ولا كافر الا وله منزل وأهل وخدم في الجنة فان أطاعه تعالى اتى أهله وخدمه ومنزله في الجنة وان عصاه ورثه اللّه المؤمن فقد غبن عن أهله وخدمه ومنزله * وفي التأويلات النجمية إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بنور الايمان يشاهدون الحقائق والمعاني في صورة الأمثلة فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ حيث أنكروا الحق فجعل ظلمة انكارهم غشاوة في أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجم لا يشاهدون المعاني في كسوة اللغة العربية فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في ادراك حقائق الأمثال قالوا ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فبجهلهم زادوا إنكارا على انكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ممن اخطأه رشاش النور في بدء الخلق كما قال عليه السلام ( ان اللّه خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل ) فمن اخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد اخطأه نور الايمان هاهنا ومن اخطأه نور الايمان فقد اخطأه نور القرآن فلا يهتدى ومن أصابه ذلك هنالك أصابه هاهنا نور الايمان ومن أصابه نور الايمان فقد أصابه نور القرآن ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وكان القرآن لقوم شفاء ورحمة ولقوم شقاء ونقمة لأنه كلامه وصفته شاملة اللطف والقهر فبلطفه هدى الصادقين وبقهره أضل الفاسقين لقوله وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الخارجين من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة ثم اخبر عن نتائج ذكر الخروج ونقض العهود كما قال اللّه تعالى الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ اى الذين ينقضون عهد اللّه الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية بالإخلاص من بعد ميثاقه وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب التبتل والانقطاع عن الخلق كما قال تعالى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا اى انقطع اليه انقطاعا كليا عن غيره وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ اى يفسدون بذر التوحيد الفطري في ارض طينتهم بالشرك والاعراض عن قبول دعوة الأنبياء وسقى بذر التوحيد بالايمان والعمل الصالح أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَيْفَ تَكْفُرُونَ كيف نصب حالا من الضمير في تكفرون اى معاندين